أحمد زكي صفوت
8
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ووضعوها مواضعها ، وأعطوها أهلها ، وخرجوا خماصا « 1 » منها ، ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزّوها وتداولوها بينهم ، فجاروا فيها ، واستأثروا بها ، وظلموا أهلها ، فأملى « 2 » اللّه لهم حينا حتى آسفوه « 3 » ، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ، وردّ علينا حقّنا ، وتدارك بنا أمتنا ، وولى نصرنا والقيام بأمرنا ، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض ، وختم بنا كما افتتح بنا ، وإني لأرجو ألّا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح ، وما توفيقنا أهل البيت إلا باللّه . يأهل الكوفة ، أنتم محلّ محبّتنا ، ومنزل مودّتنا ، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك ، ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم ، حتى أدركتم زماننا ، وأتاكم اللّه بدولتنا ، فأنتم أسعد الناس بنا ، وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم ، فاستعدوا ، فأنا السّفّاح المبيح ، والثائر المبير « 4 » » . وكان موعوكا فاشتد به الوعك « 5 » ، فجلس على المنبر ، وصعد داود بن علىّ ، فقام دونه على مراقي « 6 » المنبر ، فقال : ( تاريخ الطبري 9 : 125 ، وشرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 213 ) 2 - خطبة داود بن علىّ « الحمد للّه ، شكرا شكرا شكرا ، الذي أهلك عدونا ، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أيها الناس : الآن أقشعت « 7 » حنادس الدنيا ، وانكشف
--> ( 1 ) جياعا جمع خميص من خمص البطن مثلثة الميم أي خلا ، والمخمصة : المجاعة ، وهو خمصان بالضم ، وخميص الحشا : ضامر البطن . ( 2 ) أمهلهم . ( 3 ) أغضبوه . ( 4 ) أباره : أهلكه . ( 5 ) الوعك : أذى الحمى ووجعها ، وألم من شدة التعب . ( 6 ) جمع مرقاة بفتح الميم وكسرها . ( 7 ) قشعت الريح السحاب : كشفته كأقشعته فأقشع وانقشع وتقشع ، والحنادس جمع حندس بكسر الحاء والدال وهو الظلمة .